سيد قطب
2321
في ظلال القرآن
الذات العلية ، كما ينتفض كل عضو وكل جارحة عندما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره . . هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال . والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف . وما تكاد الكلمة النابية تنطلق : « وَقالُوا : اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً » حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع : « لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا » ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر ، ويغضب الكون كله لبارئه . وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته ؛ وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه ؛ وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها : « تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً » . . وفي وسط الغضبة الكونية يصدر البيان الرهيب : « إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً » . إن كل من في السماوات والأرض إلا عبد يأتي معبوده خاضعا طائعا ، فلا ولد ولا شريك ، إنما خلق وعبيد . وإن الكيان البشري ليرتجف وهو يتصور مدلول هذا البيان . . « لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا » فلا مجال لهرب أحد ولا لنسيان أحد « وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً » فعين اللّه على كل فرد . وكل فرد يقدم وحيدا لا يأنس بأحد ولا يعتز بأحد . حتى روح الجماعة ومشاعر الجماعة يجرد منها ، فإذا هو وحيد فريد أمام الديان . وفي وسط هذه الوحدة والوحشة والرهبة ، إذا المؤمنون في ظلال ندية من الود السامي : ود الرحمن : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا » . . وللتعبير بالود في هذا الجو نداوة رخية تمس القلوب ، وروح رضى يلمس النفوس . وهو ود يشيع في الملأ الأعلى ، ثم يفيض على الأرض والناس فيمتلئ به الكون كله ويفيض . . عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن اللّه إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه . قال : فيحبه جبريل . ثم ينادي في أهل السماء : إن اللّه يحب فلانا فأحبوه . قال : فيحبه أهل السماء . ثم يوضع له القبول في الأرض . وإن اللّه إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه . قال : فيبغضه جبريل . ثم ينادي في أهل السماء : إن اللّه يبغض فلانا فأبغضوه . قال : فيبغضه أهل السماء ؛ ثم يوضع له البغضاء في الأرض « 1 » » . . وبعد فإن هذه البشرى للمؤمنين المتقين ، وذلك الإنذار للجاحدين الخصيمين هما غاية هذا القرآن . ولقد يسره اللّه للعرب فأنزله بلسان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ليقرءوه : « فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا » . . وتختم السورة بمشهد يتأمله القلب طويلا ؛ ويرتعش له الوجدان طويلا ؛ ولا ينتهي الخيال من استعراضه
--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة . ورواه مسلم من حديث سهيل . ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى عن ابن عتبة عن نافع عن أبي هريرة .